سيد محمد طنطاوي

100

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وأجاب اللَّه - تعالى - دعاء عبده إبراهيم ، كما حكى ذلك في قوله : * ( فَبَشَّرْناه بِغُلامٍ حَلِيمٍ ) * . أي : فاستجبنا لإبراهيم دعاءه فبشرناه على لسان ملائكتنا بغلام موصوف بالحلم وبمكارم الأخلاق . قال صاحب الكشاف : - وقد انطوت البشارة على ثلاثة : على أن الولد غلام ذكر ، وأنه يبلغ أوان الحلم ، وأنه يكون حليما « 1 » . وهذا الغلام الذي بشره اللَّه - تعالى - به . المقصود به هنا إسماعيل - عليه السلام - . والفاء في قوله - تعالى - : * ( فَلَمَّا بَلَغَ مَعَه السَّعْيَ ) * فصيحة ، أي : بشرناه بهذا الغلام الحليم ، ثم عاش هذا الغلام حتى بلغ السن التي في إمكانه أن يسعى معه فيها ، ليساعده في قضاء مصالحه . قيل : كانت سن إسماعيل في ذلك الوقت ثلاث عشرة سنة . * ( قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ما ذا تَرى ) * . أي : فلما بلغ الغلام مع أبيه هذه السن ، قال الأب لابنه : يا بنى إني رأيت في منامي أنى أذبحك ، فانظر ماذا ترى في شأن نفسك . قال الآلوسي ما ملخصه : يحتمل أنه - عليه السلام - رأى في منامه أنه فعل ذلك . . ويحتمل أنه رأى ما تأويله ذلك ، ولكنه لم يذكره وذكر التأويل ، كما يقول الممتحن وقد رأى أنه راكب سفينة : رأيت في المنام أنى ناج من هذه المحنة . ورؤيا الأنبياء وحى كالوحى في اليقظة ، وفي رواية أنه رأى ذلك في ليلة التروية فأخذ يفكر في أمره ، فسميت بذلك ، فلما رأى ما رآه سابقا عرف أن هذه الرؤيا من اللَّه ، فسمى بيوم عرفة ، ثم رأى مثل ذلك في الليلة الثالثة فهمّ بنحره فسمى بيوم النحر . ولعل السر في كونه مناما لا يقظة ، أن تكون المبادرة إلى الامتثال ، أدل على كمال الانقياد والإخلاص . . « 2 » . وإنما شاوره بقوله : * ( فَانْظُرْ ما ذا تَرى ) * مع أنه سينفذ ما أمره اللَّه - تعالى - به في منامه سواء رضى إسماعيل أم لم يرض ، لأن في هذه المشاورة إعلاما له بما رآه ، لكي يتقبله بثبات وصبر ، وليكون نزول هذا الأمر عليه أهون ، وليختبر عزمه وجلده .

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 53 . ( 2 ) تفسير الآلوسي ج 23 ص 129 .